ركن الإدارة
 

التخطيط التشاركي في الإدارة المدرسية
)المفهوم .. المبررات .. الفوائد .. المعيقات(
بقلم الدكتور حاتم محمد
يأتي النمط التشاركي في الإدارة المدرسية على طرف النقيض من الأنماط السلطوية في الإدارة، فهذا النمط من الإدارة التشاركية ينظر إلى العاملين في المدرسة من خلال النظر إلى أعمالهم كافة، وليس مجرد منفذي للتعليمات التي تصدر من المستويات العليا في الهرم الإداري في المدرسة أو المؤسسة التعليمية، وإنما كأشخاص قادرين على تحمل المسؤوليات والمشاركة في التصدي إلى المشكلات ووضع الحلول المناسبةلها, والمساهمة في وضع الخطط والسياسات إذا منحوا الفرصة. ويوفر هذا النمط التشاركي المناخ المؤسسي الإيجابي الذي يدفع في اتجاه تحفيز الطاقات الإبداعية لدى العاملين في المؤسسة التربوي .(Mcgreger,1960:51)

أولاً: مفهوم النمط التشاركي في الإدارة المدرسية

إن النمط التشاركي في الإدارة،كما يعرفه كيث وجيرلينج     هو(Keith & Girling, 1991:27)،  "النمط الإداري الذي يقوم على المشاركة "النظامية" و"الملموسة" للعاملين في المؤسسة في عمليات صنع القرارات المتعلقة بسياسات المدرسة ومهامها ومشكلاتها".
لقد جاءت كلمة "نظامية" ترجمة لكلمة (Regular)،التي يقصد بها الكاتبان بأن المشاركة صفة ضرورية للنمط الإداري في المؤسسات، وكلمة "ملموس" ترجمة لكلمة
(Significant)
، وذلك من أجل تمييز المشاركة التلقائية التي تحدث في المدرسة حتى ولو كانت تمارس بشكل سلطوي، كأن يفوض المدير مسؤولية الصف للمعلم
(Vann,1992:30)
لتتعدى إلى المشاركة على مستوى صناعة القرار المتعلق بالمناهج وصياغة الأهداف التعليمية والتصدي للمشكلات،ومناقشة السياسات ونقدها،واقتراح البدائل الملائمة.
ويرى (Vann,1992:30) أن الأخذ بالنمط التشاركي في الإدارة المدرسية يتطلب توافر شرطين ضروريين هما:

 1. توفر درجة عالية من الثقة المتبادلة بين العاملين في المؤسسة التربوية، إضافة إلى الثقة بالنفس لدى المديرين أوالعاملين.


 2.
توفر مستوى عالٍ من القناعة بمفهوم القيادة التشاركية، وصناعةالقرار على أساس تعاوني.

ثانياً: مبرراتاستخدام النمط التشاركي في الإدارةالمدرسية

لقد حدث الكثير من التغيرات في واقع المدرسةالمعاصرة، وفي تصور المجتمع لها ولدورها، بحيث أصبح هذا التطور يجد في النمطالتشاركي في الإدارة المدرسية اقتراباً أنسب لروح العصر ولواقع المدرسة نفسه، ويمكن إجمال هذه التطورات بما يلي:

 1. التطورالحادث على الوظيفة التعليمية للمدرسة:

كانت وظيفة المدرسة التقليدية تتمثلفي تلقين مجموعة من المعارف والمهارات الأساسية كالكتابة والقراءة والحساب، أماوظيفة المدرسة المعاصرة كما يراها الفكر التربوي الحديث فيناط بها دور يتعدى ذلكالدور التقليدي بكثير، والذي يتمثل في الجوانب التالية:


::
تدريب الطلبة على مهارات التفكير العليا.

::
الفهم العميق للمحتوى المعرفي للمقرراتالدراسية.

::
ربط ما يتعلمه الطالب بحياته اليوميةخارج نطاق المدرسة.

::
إشراك الطالب في بناء معرفته، وذلك عنطريق تعزيز روح الحواروالنقاش لديه.

::
زيادة ثقةالطالب بقدرته على الانجاز والإبداع.

وبناءً على هذا التصور لدورالمدرسة المعاصرة على الصعيد التعليمي، فإنه من الصعوبة بمكان أن تقوم المدرسةبأداء تلك المهام في إطار النمط التقليدي للإدارة المدرسية الذي يرى أن المعلم منفذللسياسات، فهذه المهام تظل غامضة على المعلم، كما هو الحال بالنسبة للمدير، إلا إذاتم إخضاعها لنمط من التفكير من الأطراف المعنية في المدرسة كافة، وذلك من أجلالوصول إلى نوع من التصورات المشتركة التي تمثل الأساس لعملية التعلم فيما بعد. هذابالتأكيد يحبذ الأخذ بالنمط التشاركي في الإدارة المدرسية لما يوفره من مناخ مدرسييدعم التعاون فيما بين المدير والمعلمين والعاملين داخل المدرسة، وذلك يؤدي إلىوضوح في الرؤى فيما بينهم اتجاه المهام التعليمية المتضمنة في المنهاج المدرسي.

 2. النجاح الذي حققه النمط التشاركي في إدارة المؤسسات الاقتصادية:

زيادة فعالية النمط التشاركي فيالمؤسسات الاقتصادية من حيث قدرتها الإنتاجية؛ سواء كماً أم كيفاً، وذلك لما يتضمنههذا النمط من تحفيز لطاقات العاملين الفكرية والفنية في مجال تطوير العمل وحلالمشكلات المتعلقة به، أو في مجال رفد عمليات صناعة القرارات والسياسات في المؤسسة،هذا من جانب، ومن جانب آخر، فالنمط التشاركي يزداد فيه إحساس العاملين بالرضاالوظيفي والانتماء للمؤسسة التي يعملون بها، الأمر الذي يزيد من دافعيتهم نحو العمل المنتج (Keith & Girling, 1991:28).

 3. التغير المتسارع على تصور المجتمع لدور المدرسة:

إن المدرسة المعاصرة كما ترسخ في وعيالمجتمع لابد أن تستجيب لكثير من المتطلبات "غير التعليمية"، وذلك انسجاماً معالدور الاجتماعي الذي تلعبه المدرسة المعاصرة، وطالما أن تلك المتطلبات نفسها عرضةللتغييرالمتسارع في هذا العصر، فإن المدرسة المدارة تقليدياً لا تستطيع أن توائممحك الانسجام مع تلك التغيرات، في حين تأتي الإدارة التشاركية بديلاً قوياً لماتوفره من قنوات اتصال واسعة ومتعددة مع المجتمع، عن طريق توظيف الإمكانيات كافة لدىالعاملين واستغلالها .(Robinson & Timperely, 1996)

ثالثاً: فوائدالنمط التشاركي في الإدارة المدرسية

إضافة إلى الفوائدالتي يمكن أن نجنيها على مستوى تفجير طاقات العاملين الفكرية والفنية، وزيادةدافعيتهم نحو العمل المنتج، فإن هناك مجموعة من الفوائد التي يمكن تحقيقها علىمستوى المدرسة ككل، نورد منها ما يلي:

 1. وضوح الرؤيا:

إن المدرسة المدارة تقليدياً يتمإملاء برامج العمل والأهداف والسياسات على العاملين بغض النظر عن إدراكهم لها،الأمر الذي يؤدي إلى الغموض واختلاط الفهم من جانبهم، ما ينعكس سلبياً على أدائهم. أما في حالة النمط التشاركي بما يوفره من مناخ منفتح للحوار بين العاملينوالمديرين، فإن هذا الأمر يقود إلى فهم واضح للسياسات والأهداف والبرامج والقراراتفيما بين أفراد المجتمع المدرسي، وبالتالي تمنح هيئة المدرسة فرصة متابعة تطورالواقع المدرسي بشكل منتج (Vann,1992:31).

 2. تعظيم مستوى الاتفاق حول القرارات المراد تنفيذها في المجتمعالمدرسي:

انسجاماً مع الفائدة السابقة واستمراراً لها، فإن القراراتالتي يتم اتخاذها ضمن النمط التشاركي، تحمل في طياتها قدراً كبيراً من آراء قطاعواسع من أعضاء هيئة المدرسة ومشاركاتهم وتصوراتهم، الأمر الذي يقود إلى مستوى عالٍمن الاتفاق حول هذه القرارات (Vann,1992:31).

 3. حل الخلافات بشكل فعال:

في ضوء النمط التشاركي،يتم التطرق والتصدي إلى الخلافات بروح الانفتاح والثقة والحوار البناء، وبخاصة أنذلك يتم في ضوء ما تم الاتفاق عليه من أهداف وسياسات وبرامج للمدرسة (Newman,1993:4).

 4. القدرة على التكيف معالتغيرات في البيئة المحيطة:

إن هذه الفائدة تشير إلى قدرة المدرسةعلى الاستجابة لمتطلبات المحيط الاجتماعي للمدرسة، التي أصبحت عرضة للتغييرالمتسارع تبعاً لروح هذا العصر. وفي الواقع، إن المدرسة المدارة تقليدياً يصعبعليها الاستجابة لهذه الميزة التي ترى بضرورة مواكبة المدرسة لروح التغيير المتسارعفي هذا العصر، الذي يتميز برفع توقعات المجتمع المحلي من المدرسة، وذلك نظراًلمحدودية قدرة الإدارة الأوتوقراطية في تلمس تلك المتطلبات المتغيرة والاستجابةلها. وعلى العكس من ذلك، فإن المدرسة ذات النمط التشاركي في الإدارة تمتلك قنواتالاتصال، وتعدد الطاقات الفكرية المتوفرة، بحيث تستطيع تلمس تلك المتطلبات والاستجابة لها (64:Robinson & Timperely, 1996).

 5. المقدرة على التجدد:

يقصد هنا "بالمقدرة علىالتجدد" بأنها إعادة تركيب بنية المدرسة الإدارية (طبيعة الأدوار- العلاقات – قواعدالاتصال)، الأمر الذي يصعب أن يتم من خلال إملاء القرارات الفوقية في حالة المدرسةالأوتوقراطية، ولكن يمكن أن يتم هذا التغيير من خلال المشاركة الشاملة من قبل أعضاءهيئة المدرسة كافة، في البحث عن ماهية التغيير، والنقاش الهادف والناقد حوله، كخطوة منطقية وفي الاتجاه الصحيح على طريق التغيير المنشود (Newman,1993:4).

رابعاً: معيقات استخدام النمطالتشاركي في الإدارة المدرسية

تتفاوت حدود المشاركةمن مؤسسة إلى أخرى، كما أن فعالية المشاركة تتفاوت حسب حجم المعيقات التي تعترض حركة العاملين بموجب النمط التشاركي، ويحدد (Keith & Girling, 1991:43) ثلاثةأصناف من المعيقات:
 1. المعيقات المؤسسية (Organizational Barriers):

تلك المعيقات التي تنبع من "الثقافة" السائدة في المؤسسة، والتي تتمثل في منظومة القيم والأعراف التي تسودالمؤسسة، والتي تعكس نفسها، وبشكل ضمني، على المناخ المؤسسي بشكل عام. إذا كانت هذهالقيم تجعل العاملين مجرد مأمورين، فإن هذا سيؤدي إلى إحباط النمط التشاركي، وفيالاتجاه نفسه، فإذا كانت هذه القيم ترى في العامل كثير التساؤل والناقد بأنه "صانعللمشاكل"، فكيف يمكن خلق مناخ مؤسسي منفتح؟
بناءً على ما تقدم، فإنهلا بد من العمل على تفكيك هذه الثقافات السائدة واستبدالها بثقافات أكثر إيجابية تدعم الإدارة التشاركية.

 2. معيقات نابعة من المديرين أنفسهم (Managerial Barriers):

هذه المعيقات نابعة من الميل الطبيعي لدى المديرين للاحتفاظ بالسلطة والمسؤولية عن المدرسة، وفي كثير من الحالات ما يشعر المديرون بالخوف والريبة اتجاه الدعوى إلى تفويض الصلاحيات والمسؤوليات للعاملين. كل هذه الأمور، بلا شك، تنعكس سلباً على فعالية العاملين ومشاركتهم في إدارة جوانب المدرسة المختلفة.

 3. معيقات تكمن في الموظفين (Employee Barriers):

كثيراً ما نصادف معلمين يرون أن دورهم في المدرسة مجرد تعليم المقررات الدراسية المكلفين بتدريسها ليس إلا، وأن مجرد إعطائهم مسؤوليات جديدة حتى ولو كان مع بعض الصلاحيات، فإنه يعتبره "عبئاً إضافياً" يلقى عليهم، وهذا الأمر بالتأكيد يقف عائقاً أمام تفعيل النمط التشاركي في إدارة مدارسهم.

في ختا م هذه المقالة، اعتقد أن واقع الإدارة المدرسية التي تتبنى النمط التشاركي في بلادناغير معمول به، وعلى العكس فإن الأنماط الأوتوقراطية هي السائدة في مدارسنا، علىالرغم من الدورات والمجمعات التدريبية التي تعقد باستمرار من أجل التخلي عن النمط السلطوي المستبد، فما زال توظيف النمط التشاركي غير موجود، وإن كان هناك نوع من المشاركة، فإنه على مستويات ضيقة، يأخذ بعين الاعتبار العلاقات الشخصية، ويحمل في أحيان أخرى طابع التهرب من تحمل بعض المسؤوليات التي لا يرغب المديرون في ممارستها،إضافة إلى كونه محدوداً جداً من حيث عدد المشاركين من أعضاء هيئة المدرسة.
وفي المقابل، إذا أردنا الدعوة إلى الأخذ بالنمط التشاركي في الإدارة المدرسية، فلا بد من الارتكاز على إستراتيجية تغييرية تعتني بإزالة المعيقات المؤسسية، أو تلك النابعة من المديرين أو الموظفين، التي غالباً ما يتم التغلب عليها من خلال إجراء الحوار الهادف والناقد للواقع الإداري القائم في مدارسنا، وعرض فوائد توظيف النمط التشاركي ومزاياه في الإدارةالمدرسية.
من خلال استعراض ما سبق، فإنه يعد بمثابة المنطلق لبلورةالتصورات المعاصرة لإبراز قصور الأنماط الإدارية القائمة وفعالية النمط التشاركي،وبالتالي توفر الأساس الفكري الذي يمكن أن يبنى عليه إحداث التغيير الإداري المنشود في مدارسنا.
السؤال الذي يطرح نفسه في هذا المقام "لماذا كل هذا التعقيد في تصور قضية التغيير وتبنيها؟"، وإن أردت الإجابة، فإن الإجابة تتضمن تساؤلاً جديداً يتمثل في: "كيف يمكن لنا أن نفرض النمط التشاركي فيإدارة مدارسنا ؟".
في اعتقادي،أن العديد من مديري المدارس يرون أن النمط التشاركي اعتداء على سلطاتهم، ومن المعلمين من يرى أن هذه المشاركة تمثل عبئاً زائداً يقع على كاهله، لذا يرغب العديد من المديرين في توفير مناخ مدرسي يجسد ضرورة أن يكون المدير على قمة الهرم،والمعلمين مجرد مأمورين؟
د.حاتم محمد
دكتوراه مناهج وطرق تدريس العلوم
مدير مساعد بوكالة الغوث الدولية - خان يونس
نقلا عن منتدى الباحة 

 
   
 
=> Veux-tu aussi créer une site gratuit ? Alors clique ici ! <=